الشنقيطي

483

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

المسكوت عنه لا بد أن يكون بينه وبين المحرم شبه ووصف جامع ، وبينه وبين الواجب . فلو جاز إلحاقه به لم يكن هناك قسم قد عفا عنه ؛ ولم يكن ما سكت عنه قد عفا عنه بل يكون ما سكت عنه قد حرمه قياسا على ما حرمه ، وهذا لا سبيل إلى دفعه ، وحينئذ فيكون تحريم ما سكت عنه تبديلا لحكمه . وقد ذم اللّه تعالى من بدل غير القول الذي أمر به فمن بدل غير الحكم الذي شرع له فهو أولى بالذم ، وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن من أعظم المسلمين في المسلمين جرما : من سأل عن شيء لم يحرم فحرم على الناس من أجل مسألته » « 1 » فإذا كان هذا فيمن تسبب إلى تحريم الشارع صريحا بمسألته عن حكم ما سكت عنه ، فكيف بمن حرم المسكوت عنه بقياسه ورأيه ! ! يوضحه أن المسكوت عنه لما كان عفوا عفا اللّه لعباده عنه ، وكان البحث عنه سببا لتحريم اللّه إياه لما فيه من مقتضى التحريم لا لمجرد السؤال عن حكمه ، وكان اللّه قد عفا عن ذلك وسامح به عباده كما يعفو عما فيه مفسدة من أعمالهم وأقوالهم . فمن المعلوم أن سكوته عن ذكر لفظ عام يحرمه - يدل على أن عفو منه ، فمن حرمه بسؤاله عن علة التحريم وقياسه على المحرم بالنص ، كان أدخل في الذم ممن سأله عن حكمه لحاجته إليه ، فحرم من أجل مسألته ، بل كان الواجب عليه ألا يبحث عنه ؛ ولا يسأل عن حكمه اكتفاء بسكوت اللّه عن عفوه عنه . فهكذا الواجب عليه ألا يحرم المسكوت عنه بغير النص الذي حرم أصله الذي يلحق به . قالوا : وقد دل على هذا كتاب اللّه حيث يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 101 ) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ( 102 ) [ المائدة : 101 - 102 ] . وقد قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث الصحيح « ذروني ما تركتكم فإنّما هلك الّذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم » « 2 » فأمرهم أن يتركوه من السؤال ما تركهم . ولا فرق في هذا بين حياته وبين مماته . فنحن مأمورون أن نتركه صلّى اللّه عليه وسلّم وما نص عليه ، فلا نقول له لم حرمت كذا لنلحق به ما سكت عنه بل هذا أبلغ في المعصية من أن نسأله عن حكم شيء لم يحكم فيه - فتأمله فإنه واضح ، ويدل عليه قوله في نفس الحديث : « وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم » فجعل الأمور ثلاثة لا رابع لها : ( مأمور به ) فالفرض عليهم فعله بحسب الاستطاعة ( ومنهي عنه ) فالفرض عليهم اجتنابه بالكلية . ( ومسكوت عنه ) فلا يتعرض

--> ( 1 ) أخرجه عن عامر بن سعد عن أبيه : مسلم في الفضائل حديث 132 ، وأبو داود في السنة حديث 4610 ، وأحمد في المسند 1 / 179 . ( 2 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في الاعتصام حديث 7288 ، ومسلم في الحج حديث 412 ، والنسائي في مناسك الحج باب وجوب الحج ، وابن ماجة في المقدمة حديث 2 ، وأحمد في المسند 2 / 448 ، 467 .